دليل الغدة الذكية

في سياق كشف صحي دوري يضع الطبيب يديه خلف أذني، مطمئنًا بنتقل لجانبي رقبتي، يطمئن و ينتقل لوسط رقبتي . أحاول امساك ابتسامتي ، يبدو جدي جدًا و هو يطالع شاشة الكمبيوتر أمامه مراجعًا تاريخي المرضي، ثم يبدأ في الحوار المعتاد:

“-هل شُخصتي بخلل افراز الغدة الدرقية من قبل؟

– لا

-همم هل لديك أحد في عائلتك…

– نعم جدتاي الاثنتان، عمي، و أمي مروا بها جميعا

– توقعيها إذن

– أعلم و انتظرها حول سن الخمسين

– (ينظر لي باستخفاف) إذا شعرتي بالإجهاد أو باعتلال مزاج أو إكتآب أو عصبية أو تغيير في وزنك أو شهيتك إذهبي مباشرة للطبيب ليفحصها لك

– (اكتم ضحكتي و أحرك رأسي مبتسمة دليلا على أني بالطبع سأفعل).”

مرت أمي بتلك الأعراض في صغري، و في وقتها كنت أنا ذات الإثنتي عشرة عامًا، ليس لدي أي شك بأن أمي تعاني من مرض ما. فقدت كثيرًا من وزنها فجأة رغم أنها كانت تأكل بشهية مبهرة، و أصبحت عصبيتها (هي شديدة العصبية أصلا) لا تطاق، و دائما متعبة و متعكننة.  كأي شخص يثق في العلم ذهبت أمي للطبيب، و كأي طبيب أهبل لم يستطع أن يتعدى في ملاحظاته أن أمي في السابعة و الأربعين و أنها كائن مؤنث -لكنه استطاع ببراعة أن يتجاهل عنقها المتورم- و سألها لمدة طويلة عن دورتها الشهرية (و هي الست منا ايه غير جهازها التناسلي؟ ) فردت عليه أنها غير منتظمة مؤخرا. فالبطبع ابتسم بسعادة و زهو أنه وجدها! و رجعت أمي بيتنا بعنقها المتورم و مزاجها الذي لا يطاق و مجموعة أدوية هرمونية أوصاها بها سيادته (بلا كشف أو تحاليل!) لأنها تمر “بالأعراض العادية بمرحلتها العمرية”.

تجاهل سيادته أن للمرأة اجهزة آخرى غير جهازها التناسلي، بعدها بأسبوع و بعد رجوع طبيب تثق فيه امي من مهمة عمل ، زارته و بعد دقائق قليلة كانوا يتناقشون عن التحاليل المطلوبة للتأكد بأن الغدة الدرقية فعلًا تفرز أكثر مما هو مطلوب، و أخذ عينة حتى يتأكدوا أنها لم تصب بورم. بعد اسبوعين من الجراحة عادت أمي لحالتها الأولى، مزاجها معتدل، و عصبيتها قابلة للاحتمال كما كانت طوال عمرها. و بالطبع عادت دورتها الشهرية للانتظام، لأن بسلامته تغاضى عن تأثير الغدة الدرقية على تعامل الجسد مع باقي الهرمونات.

اليوم أستطيع أنا أن أقضي يومي في غاية العصبية، و أن أكون بلا طاقة طوال اليوم، و أتخانق مع دبان وشي، و أُحبط و أحبِط من حولي، و إن سالت إذا كان وقت دورتي الشهرية قد قرب. أجاوب بقوة لا. ساعتها سيكون الأمر أني مجرد إنسان عصبي، مجهد من قلة النوم أو من ضغط العمل و الامتحانات، و أنها شخصيتي و تأثير يوم سيء ليس أكثر.

ليست المشكلة أن تكون غدة أو هرمونا في الجسد، فأنت لن تلام و يعلق بك كل ما يمر بيوم الفرد الا إذا كنت هرمونا يؤدي لعدة مليميترات من الدم شهريا تختص بها الاناث من نوعنا فقط إنما إن كنت غدة ذكية -مثل الدرقية- فمن الممكن أن تفرز و تهيس في نسب إفرازك و تؤدي لكل ما تريد من الأعراض، لكن لا أحد سيوصمك بأنك سبب كل بلاء. فأنت غدة تعمل بلا اثبات شهري يري رؤى العين، حتى و إن كنت حالة مرضية و لست فقط تقوم بدورك الطبيعي في الجسد. فانت في الآخر غدة ذكية.

و لا يحضرني إلا الجملة التاريخية التي قالتها أم أحدى اصدقائي منبهة على أبنها بأن يتوقف عن الكلام عن أحد مشاريعه المستقبلية : “يا ابني ربنا قالنا في كتابه الكريم، داري على شمعتك تقيد!”

Advertisements
Explore posts in the same categories: Uncategorized

Tags: ,

You can comment below, or link to this permanent URL from your own site.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s


%d bloggers like this: