Archive for May 2009

هو و هيليبوليس

12 May, 2009

كانت القاهرة تعني عندي وسط البلد و مصر الجديدة.  كانت وسط البلد مرادف لآيس كريم سيء من جروبي، أو طبق ضخم من السلطة اليونانية في النادي اليوناني إن كنا ليلًا.  لكن ما كانت وسط البلد تعنيه فعلا هو الكتب، فبعد معرض الكتاب كانت مكتبة مدبولي هي جنة الكتب. أعرف ميزانيتي و أضيف إليها ما جمعت من فترة و أنطلق في المكتبة – نعم كانت تبدو كمكان كافي للإنطلاق حينها.  بعد كثير من الوقت أجتمع أنا و أمي كل منا بكومة كتبه و نبدأ في التفاوض معًا على ما سيبقى و ما سيرد.  كانت تلك هي اللحظات الوحيدة التي تجعلني أنظر بانبهار للقاهرة.  غير ذلك في هي مكان مزعج  حار مترب مزدحم غير متناسق معماريا و لسبب أو لآخر لا أحب ناسه.  سكندرية تقليدية جدا.

بقية الرحلة عادة تكون أيامًا في مصر الجديدة، أولًا كنت أعرفها تحت اسم هليوبوليس، و لسبب ما لم أربط بينها و بين مصر الجديدة التي كنت أقرأ عن تاريخ بناءها . على أي حال لم أكن معجبة.  كانت الرحلة لعمارتين جميلتين يعيش فيهما أهل عائلتي الممتدة.  و الرحلة لشارع بممرات مسقفة تشبه تلك التي أعتدت عليها بأسوان و جنوب ايطاليا و أرضيات حجرية ببعض الأرصفة كتلك التي أحبها بمدينتي، و مباني لطيفة و إن كنت بالطبع أراها لا ترقى لمباني مدينتي.  حتى النادي كنت أراه لا ستيطيع منافسة “نادينا”.

أخذني معه مؤخرا لحيث أمضى بعض من طفولته و مراهقته. مشينا الشوراع و وقفنا أمام بيت طفولته الذي تحول لدار أيتام إسلامي كما يبدو،  و بدأت خطوات تدميره الدؤوبة. من حكاياته  فجأة أصبح للمبانى حكايات ارتبط فيها التاريخ الرسمي بالتاريخ الشخصي.
أصبح لدي مدخل على المكان .
أصبح هناك حواديت للأماكن، و أشخاص يسكنون البيوت.  أصبح لإختلاف الطرز معنى، و لوجود كنيسة إنجليكية في غير وسط المدينة تفسيرغير تاريخي ، ببساطة وجدت ليلعب بفناءها. أصبح هذا بائع لعب الأطفال الذي أتخيله يختار فيه بتركيز شديد لعبة واحدة فقط!  أصبح للأمفتريون معنى غير خال والدتي و رائحة تبغه المميزة المخلوطة بالبيرة و مللي في المكان طفلة، أصبح يعني ذكريات طفولته و تجريبه للبيرة لأول مرة، أصبح لشارع الكوربة الذي أكره أحتفاء الناس به تأثيرًا محتملًا، و أستطعت أن أتجاهل بعض الشي الطابع الزاعق لتراكم التمييز الطبقي به.  أصبح هذا البيسترو الذي أظن أنني زرته كثيرًا كطفلة أثر آخر. أصبح مكان أول يوم لنا معًا يبدأ بقبلة صباح على الشفاه.  بعدها ستبدو تلك الشوارع كأقرب ما يكون للمجتمع الذي عشت فيه طفولتي. سيتشابه المطعم الصغير مع شى جابي و أيام طفولتي، سيصبح الامفتريون إيليت آخر يشرب فيه الكبار البيرة بينما أنا أغرق في نجرسكو الجبن المهول الممتع و ربماقليلًا جدًا من النبيذ.

لكن بالظبع سيظل ترامنا أفضل من ترامهم، الذي حاولت كثيرا طفلة إقناع أطفال العائلة القاهريين أنه ترام واي -كما كنت انطقها حينها- و ليس مترو “المتر ده تحت الأرض!!”.

صحيت انهاردة من حلم كنا أنت و أنا فيه.  أنا كنت قاعدة على سلالم بيت طفولتك في هليوبوليس. كان عندي ستة و تلاتين سنة – أول العمر المثالي للمرأة زي ما أنت أكيد عارف :).  لابسة فستان أواخر الستينات/ أوئل السبعينات شبهي خالص- أيوة مش هاسمح للدقة التاريخية تلبسني فستان بشع من أوائل التمانينات حتى لو في الحلم!  شعري كان قصير على طريقة الولاد، زي ما كان أغلب مراهقتي، و كنت حافية .  كنت قاعدة على الدرجة التالتة من السلم مثلًا، و رجلي على الأرض و طبعًا رجل على رجل.  و جنبي على السلم كوباية حمرا مزخرفة فخار فيها مريمية، و مكتوب عليها ال كنت عارفة انه بيت من واحدة من قصايدي المفضلة لأمل دنقل بخط ثُلث جميل “دائمًا أنت في المنتصف”.   أنت كنت بتلعب قدامي. عندك عشر سنين مثلًا و لابس تي شيرت أحمر و شورت كاكي قصير و جزمة كونفرس بيضا. غالبًا ماكنتش ابني، غالبا كنت صديق صغير.  كنا قاعدين و في موسيقى جاية من الدور ال تحت لفرنسواز هاردي – غالبا علشان تليق على اللبس :) – قاعدين ندندن مع الأغنية، و أنت بتلعب، و أنا مبلمة في اللا شيء  و مستمتعة بالجو – كنا في الشتا يوم حد أكيد .  كنت أنت قاعد تلعب و تتنطط من غير دوشة، و كل شوية تستهبل و تحاول تبص على تحت الفستان بتاعي بأنك توطي كأنك بتكتب حاجة بالطباشير على الارض.  و أنا طبعًا واخدة بالي و مطنشة و سايباك تلعب و تكتشف. ال فاكراه بعد كده أنك بتعوز تنام فباخدك فوق سلالم طويلة خشب حلوة و بتزيق لدور مافيهوش غير حمام  بس.  بأحميك، و ألبسك هدوم،  و نروح نقعد على أكبر درجة من السلم في ايدينا كوبايات شوكولا سخن و تحت غطا أحمر حلو-نفس الغطا ال أكتشفنا من مدة أننا بنتكلفت تحتيه هو نفسه كل واحد  في بلده البعيدة (ده طبعًا طرح العولمة البديلة و أيكيا في الحلم). و نقعد نقرا من كتاب ألف ليلة و ليلة بتاعي و أنا صغيرة.