Archive for October 2009

يغوروا كلهم Que Se Vayan Todos

30 October, 2009

يبدأ كريس هارمن سرده لأحداث 19 و 20 ديسمبر 2001 و توابعها في الأرجنتين  -و التي يسجلها بعد مرور أقل من شهرين- باقتباس من يساري أرجنتيني في أوائل 2001 : “لا توجد مقاومة للليبراليين الجدد في الأرجنتين. اليسار ليس له أية تأثير ، نعم هناك قلة من الإضرابات العمالية ، لكنها لا تهدد النظام في اي شيء.”

متظاهرين يقرعوا الأواني يوم العشرين من ديسمبر 2001 في ميدان مايو

متظاهرين يقرعون الأواني يوم العشرين من ديسمبر 2001 في ميدان مايو تحت رخصة ابداع مشاع (إشادة - غير تجاري - مشاركة بالمثل) Pousthomis Nicolas تصوير

المشهد التالي ، 19 ديسمبر 2001، مليون مواطن أرجنتيني – من أصل 36 مليون حسب تعداد السكان في 2001- يبدأون في الضرب على أواني المطبخ من منازلهم، ثم ينتقلون للشرف مستمرين في الضرب و بعد قليل تتكون تجمعات على نواصي الشوراع و تتحرك معًا حتى تتلتقي. في بونيس آيرس، كان اللقاء في ميدان مايو – و هو ميدان يماثل ميدان التحرير في القاهرة في حيويته و كونه مركزًا للنشاط السياسي بصورة تاريخية-  حيث يوجد البنك المركزي و عدة مبان حكومية و تجارية هامة.

متظاهرون يوم 20 ديسمبر في بوينس آيرس

متظاهرون يوم 20 ديسمبر في بوينس آيرس تحت رخصة ابداع مشاع (إشادة - غير تجاري - مشاركة بالمثل) Pousthomis Nicolas تصوير

كان تنوع المتظاهرين مضحكًا; امرأة في الخمسينيات تلبس بدلة كلاسيكية و نظارات شمسية و تتمسك بشدة بحقيبة يدها، بجانب طالب يلبس تي-شيرت عليه صورة تشى جيفارا، و بجانبهم عامل نقابي معتاد على الاعتصام و التنظيم في تلك السنين الأخيرة التى اتبع فيها النظام توصيات البنك الدولي جاعلًا الخصخصة سياسة رئيسية، معهم موظف إداري ببدلته و ربطة عنقه، و اخيرا امرأة تحمل رضيعها من السكان الأصليين للأرجنتين الذين تم تهميشهم لقرون طويلة.  لأول مرة يجتمع كل هؤلاء في نفس المعركة بل و يتبادلون الحديث و الآراء بشأن تنظيم تظاهرهم. كان الأمر مفاجأة للجميع، فلا قيادات للحركة ولا شعارات سياسية مألوفة ولا معرفة حتى لهؤلاء الفاعلون لما يريدون بوضوح، ولا ما هي الخطوة القادمة.  كانوا فقط يصيحون شعار جديد لم يسق سماعه من أي فصيل سياسي : ” فليذهوا جميعا”

! ” “Que se vayan todos”

. المقصود هنا لم يكن الحكومة فقط لكن الجميع: الحكومة، الرئيس، نواب البرلمان ، القيادات الحزبية ، و حتى القضاة – كان المتظاهرون يصيحون طالبين من الجميع الرحيل من أمام أعلى محكمة أرجنتينية- كانوا يطالبون هذا النظام بأكمله الذي أوصل الوضع إلى ما هو عليه من سوء أن يرحل.

كانت تلك الإنتفاضة مفاجئة للجميع: فبعد أن كانت الأرجنتين تستخدم كنموذج مثالي للانتقال السلس لسوق أكثر “حرية”، أصبح الجميع يعمل فقط الا يصل الأمر لثورة شاملة. تفاجأ الجميع

عادة ما يشاع عن أحداث 19 و 20 ديسمبر بأنها كانت معتمدة بصورة أساسية على الطبقة الوسطى. في الحقيقة الأرجنتين تملتلك واحد من أكثر الطبقات العمالية تنظيمًا في أمريكا الجنوبية بصورة تاريخية. فكل التغييرات التاريخية الشعبية التي مرت بها الأرجنتين في القرن الماضي كانت تعتمد بصورة اساسية على الصراع بين الدولة و العمال من ناحية و الرأسمالية و العمال من الناحية الأخرى. و بينما كانت إنتفاضة الطبقة الوسطى بدايتها في ديسمبر 2001، كانت كل من الطبقة العاملة الصناعية و الذين يعملون في الاقتصاد غير الرسمي او المهن غير المستقرة و العاطلين يبنون حركتهم على مر أعوام سبقت أحداث ديسمبر 2001 و أدت إليها.

متظاهرون يوم 20 ديسمبر 2001 في أحدى شوارع بوينس آيرس - تصوير Pousthomis Nicolas

متظاهرون يوم 20 ديسمبر 2001 في أحدى شوارع بوينس آيرس - تصوير Pousthomis Nicolas

لسنوات سابقة ل2001 كان مشهد معتاد في نشرات الأخبار الأرجنتينة أن تجد مجموعة من الشباب الصغير و الرجال بصحبة مجموعة كبيرة من النساء من التاتينات للخمسينات يقطعون طريقا عامة باطارات السيارات المحترقة و يقيمون معسكرات مؤقتة في وسط المدينة في أي حديقة عامة و فيها يقضون يومهم بصورة جماعية متظاهرين إعتراضا على أوضاعهم و أوضاع مناطقهم السكنية المتردية و معدلات البطالة المرعبة تحت الحكومة اليبرالية.  و كان مشهد معتاد أيضا أن يعقب صورة الاعتصامات تلك بصور لقاءات مع رجال و نساء -خاصة النساء- من الطبقة الوسطى معبرين عن تقققزهم من ما يفعل هؤلاء الفقراء في الشوارع، متعللين بالطبع بتعطيل المرور و المظهر غير الحضاري.  و كان الفقراء يدافعون عن أنفسهم بأن هناك بعيدا في منطاقهم المهملة على نطاق المدينة لا أحد يسمعهم و أنهم في وسط المدينة على أمل أخير أي يُروا.  لم  تتخيل تلك السيدة الشيك ذات الأساليب المتحضرة أنها بعد أشهر قليلة ستنضم لهؤلاء الشباب  و النساء في إحتلال الشارع و بالتأكيد لم تتخيل أنها ستقف يوما مع شاب في السادسة عشر ليعلمها كيف تصنع كوكتيل موتولوف أو أن يدرسها تلك النساء دروسا عن الإدارة الذاتية للمناطق السكنية. ولا كانوا المتظاهرين يتخليونه أيضا.

عمال من مصنع زنون يحتفلون أثناء مسيرة

عمال من مصنع زنون يحتفلون أثناء مسيرة Sebastian, Argentina Indymedia

حركة أخرى كانت سابقة لأحداث ديسمبر 2001. مر جنوب الأرحنتين خلال التسيعينيات بموجة من هروب  ملاك المصانع و ورش العمل الصغيرة للهرب من القروض .  عندها كان المنتظر أن يطرد العمال للشارع و ينضموا لجيش غير العاملين. بصور منفصلة بدأت مجموعة من العاملين في أكتر من موقع برفض مغادرة مكان العمل. كانت دعواهم بسيطة : في أغلب الحالات كانت لهم عند صاحب العمل أجور متأخرة لشهور طويلة و مستحقات أخرى و ليس لهم مكان أخر ليذهبوا اليه. فكانت المبادرة بأن يظلوا هم في أماكن عملهم يقوموا بعملهم اليومي و يحققوا الطلبيات المطلوبة من مصانعهم و يدفعوا قيمة المواد الخام و الكهرباء و كل المستحقات – و في كثير من الاحيان كانوا مستعدين لدفع أقساط قروض البنوك- و ما يتبقى من الأرباح يوزعوه عليهم ليستطيعوا استكمال الحياة. كانت الفكرة الأساسية هو أن كل من يعمل بالمصنع يظل موجود و يقوم بعمله حتى يعود صاحب المصنع و لم يكن أحد فيهم يقترح أي مساواة في الأجور بين الجميع أو إدارة ذاتية للمكان.  لكن صاحب العمل الذي لم يظهر و المدراء الذين خانوا العاملين و قوات البوليس التي كانت تنتزعهم من على مواقع عملهم كلها أدت لشيء واحد. أدرك العمال أن صاحب العمل لن يعود – فهو أخد القروض و حول ماله لخارج الأرجنيتين و هرب- و أن المدراء لا لازمة لهم، يستطيعون هم ببعض التدريب و كثير من التعاون أن يديروا هذا المصنع، لم تكن المهمة بالصعوبة التي يدعونها المدراء دائما، و بما أن كل العمال يتشاركون في الإدارة و الدفاع عن المصنع من البوليس و يعرضون حياتهم للخطر بنفس القدر فما الفكرة وراء تفاوت الأجور؟!

 جرافيتي. "الحل.  مجالس محلية. إدارة ذاتية"

جرافيتي. "الحل. مجالس محلية. إدارة ذاتية" تصوير Marina Sitrin

خلق ذلك شبكة من عمال المصانع -المحررة أو المنقذة أو المستصلحة أو المستردة  أو كما تسميها الحكومة المصانع المحتلة- ، كانت الشبكة تتعاون في الدفاع عن أي مصنع يلقى هجوما من قوات البوليس، بل و يتعاونوا ايضا في تقديم النصائح القانونية و المالية لمن هم أقل خبرة.  أغلب تلك أماكن العمل – لم يعد الامر مقتصر على ورش النسيج أو المصانع لكن امتد لعيادات صحية، فنادق، دور نشر، و جرائد- يعمل تحت الإدارة الذاتية.  يجتمع كل الأفراد في مجلس عاملين و يقرروا ما سيكون و يعهدوا بمهمات محددة لبعض الأفراد، لا سلطة لأحد على أحد هنا!  أغلب تلك الأماكن ايضا توصولوا لسياسة توحيد الأجور ، و في حالات القصور الشديد في المال كانوا يلجأوا لتوزيع المكسب حسب الحاجة، من لديه 3 أطفال يحتاج في الأوقات العصيبة أكثر مما يحتاجة من يعيش وحده.  كان أغلب العمال يعملون تحت شعار واحد “احتل، قاوم، انتج” : احتل مكان عملك المهدد بالغلق، قاوم تدخل الأمن و محالواته العنيفة لاخلاء مكان عملك، انتج بصورة جماعية ديموقراطية .  في ديسمبر 2001 و بعد موجة كبيرة من هرب أصحاب رؤوس الأموال رجع ثانية هذا الشعار ليكون دليل للعمال المهددين بالطرد، تلك المرة ليس في جنوب الأرجنتين فقط لكن في كل مكان.

متظاهرين في شارع محرر - ديسمبر 2001

متظاهرين في شارع محرر - ديسمبر 2001 By Rulo - Argentina Indymedia

في 19 ديسمبر حاولت الحكومة – ظنًا منها أن للبيرونيين أي سطيرة على ما يحدث – التفاوض مع المعارضة. لكن الواقع أثبت نفسه بأن لا قوة سياسة لها الفضل فيما حدث أو لها حتى القدرة على التاثير عليه. كان الأمر عفوي و مفاجيء تمامًا ، طالب الرئيس الجيش بالتدخل. الجيش رفض التدخل إلا بتصريح من البرلمان. البعض يرجع رفض الجيش لمحاولته للحفاظ على بعضًا من التاييد الشعبي الذي خسره كليًا بسبب دوره في الحرب القذرة، التي استمرت من 1976 ل 1983 و التي “أختفى” فيها – إختفاء على الطريقة المصرية لكن على نطاق أوسع كثيرًا حيث يعلم الجميع من المسؤل عن هذا الأختفاء لكن لا أحد يعلم ماذا حدث و هل المختفيين أحياء أم أموات- 30 ألف أرجنتيني معظمهم عمال نشطاء نقابيًا ، طلاب جامعات نشطاء ، و نشطاء يساريين بشكل عام.  آخرين يفسرون رفض الجيش للمشاركة بأن منطق الجيش كان نفسه منطق هذا القائد العسكري الذي صرح بأن :”حتى لو وصل الأمر للفوضى أو لحرب أهلية، فلو طلب مني التدخل سيكون همي الأكبر أن يطيع رجالي أوامري.” منطقي، فبعض الأحيان يخذل العساكر قوادهم و يديرون بنادقهم للناحية الآخرى.

أمام كل هذا لم يكن أمام النظام إلا استدعاء كل ما يستطيع تنظيمه من الأمن بمختلف أنواعه، من الشرطة، لحرس الحدود، و حتى قوات حرس السواحل. و تم إعلان حالة الطاوريء . سقط في يومي التظاهر 26 قتيل و تبادلت عربات الجيش المصفحة و المتظاهرين من الشباب  القتال على الطريقة الفلسطينية: من ناحية رصاص حي و الأخرى حجارة ملقاة بالنبل و في أعنف الأحوال اإاطارات المحترقة.

جرافيتي على أرضية الشارع "هنا اجتماع الحي كل أربعاء"

جرافيتي على أرضية الشارع "هنا اجتماع الحي كل أربعاء" Aqui Asamblea Mirecoles - photo by Marina Sirtin

سكان الحي بأحدى المجالس الشعبية يصوتون على قرارات

سكان الحي بأحدى المجالس الشعبية يصوتون على قرارات By Rulo, Argentina Indymedia

تركت الإنتفاضة في ديسمبر مجتمع جديد. عمال يديرون مصانعهم ويخلقون أشكال تنظيم جديدة، سكان أصليون يحتلون أرضهم التي سرقت منهم لأجيال و يزرعونها، عاطلين و عاطلين جدد ممن كانوا عادة جزأ من الطبقة الوسطى يقومون بمشاريع جماعية للانتاج و يتعاونون لكي يعيش الجميع بكل شكل، و بلد يعتقد 60% من سكانه أن من الممكن إدارة المجتمع بشكل ديموقراطي مباشر مثلما يفعلون ولا حاجة لتنظيمات هياركية.

كعادة تجارب كثيرة تم إحتواء الهبة في الأرجنتين، و لكن كعادة النضالات ايضا حتى عندما لا تنجح في أهدافها الموضوعة فانها تحقق انجازات آخرى و تترك عالما جديدا. كما الحال عندنا بعد يناير 77 فرغم أنها أعلنت نهاية ميل السادات نحو إتاحة حريات سياسية أوسع، و أعلنت ايضًا استمرار التعاون بين السادات و الأخوان المسلمين. و سرعت من سعيه لعقد اتفاقية مع إسرائيل،  و لكنها عطلت تنفيذ خطة البنك الدولي لما يقرب من عشرة أعوام، و عندما عادت عادت بخطى بطيئة جدَا بالمقارنة بالمقترح في 77، و لم تتسارع خطاها إلا منذ عدة أعوام. هل لنا أن نتخيل كم أفادتنا إنتفاضة 77؟

جرافيتي: "أنا أنتخب ، أنت تنتخب، هو ينتخب، نحن ننتخب، أنتم تنتخبون، هم يخونوننا. نحن ننظم اعتراض نشط على تلك الانتخابات لأننا نريد أن نفتح الطريق نحو ديموقراطية مفتوحة و مباشرة أكثر"

جرافيتي: "أنا أنتخب ، أنت تنتخب، هو ينتخب، نحن ننتخب، أنتم تنتخبون، هم يخونوننا. نحن ننظم اعتراض نشط على تلك الانتخابات لأننا نريد أن نفتح الطريق نحو ديموقراطية مفتوحة و مباشرة أكثر" تصوير Marina Sitrin

.

التراث الذي تركه لنا متظاهري ديسمبر 2001 و كل من نظم نفسه في الأعوام التالية لها، كان درس لطرفي المعركة، نحن و هم . كانت الرأسمالية قد مرت بفترة ارتياح منذ أخر هزة كبيرة لسوقها منذ أزمة جنوب شرق آسيا و التي لم يصاحبها -على قدر معرفتي- مثل تلك الحركة الشعبية المفاجئة.  كان الدرس الذي تعلمته الرأسمالية هو ان من الممكن أن يبدو كل شيء على ما يرام و تحت السيطرة، و في لحظة ثورية ينقلب كل شيء. و بأن الفوارق الإجتماعية بين المجموعات الإجتماعية يختلف إدراك الأفراد لها تمامًا في تلك اللحظات. فيدرك كل من هو خارج الطبقة الحاكمة المالكة أنه و إن اختلف في أسلوب حياته مع من بجانبه في المظاهرة لكنهما على نفس الطرف من المعركة. تركت لنا ايضًا أن هؤلاء الذين نلقي عليهم تحية الصباح في شارعنا – أو لا نلقى حتى- من الممكن أن يكونوا رفاقًا و أن نتعاون لنخلق مستقبل لنا معًا متجاهلين السلطة و مهددين وجودها في نفس الوقت. لكن أهم ما أثبتت لنا الأرجنتين هو أن ثانية يؤكد الافراد بأن ما يوصم كأحلام رومانسية غير عملية ، هو في الحقيقة قابل جدًا للتحقق بل و يبدو في أحيان كثيرة كالحل العقلاني الوحيد، من إدارة العمال الذاتية لأماكن عملهم ، لمقاومة الأفراد لقوة السلطة و قدرتهم على الحفاظ على منجزاتهم ، لقدرتنا على إدارة أمور حياتنا بصورة نتبادل فيها المنفعة و نقرر لذاتنا ما سيكون، بل و نأخد الديموقراطية لآخر خطواتها بالتوافق بدون قواد ولا أهرامات سلطة تقرر لنا حياتنا.

——

بدأت كتابة هذا في Sep 17, 2008 @ 12:13

كمحاولة للتمرين على الكتابة بالعربية بعد توقف سنين. و عندما قرأت هذا و مرة آخرى أصبحت الإدارة الذاتية تعتبر اختيار مغاير للخصخصة و التأميم افتكرته :)

موارد:

Workers Without Bosses – Workers’ Self-Management in Argentina

Reversing the Logic of Capitalism | Z

La lutte des femmes piqueteras argentines (En Francais)

Zanon (FaSinPat)

ملف تورنت لفيلم لناعوي كلاين و أفي لويس عن المصانع المحررة بالأرجنتين. ملف لترجمة نصية مصاحبة للفيلم بالعربية.

على نفس الخط : سامح عبود عن مصنع المصابيح الكهربائية بالعاشر من رمضان المدار ذاتيًا ، و مقال لجانو شربل عن المصانع المصرية المدارة ذاتيا

كتب لطيفة :

Sin Patron: Stories From Argentina’s Worker-Run Factories by Lavaca collective دار النشر نفسها مدارة ذاتيًا :)

Horizontalism: Voices of Popular Power in Argentina by Marina Sirtin

The Silent Change: Recovered Businesses in Argentina By Esteban Magnani

مبارك الإله

20 October, 2009

تبدو أغلب الخطابات السياسية في مصر شديدة الهبل ، و أحيانا القرف، خاصة عندما يدور الأمر حول مبارك و أسرته. قد يبدو الهوس بمبارك و أسرته و سنه مركز اهتمام طبيعي لنشطاء الديموقراطية أو “المنافسين” السياسيين. لكن من العبث ما يحدث من هوس بين التيار الاشتراكي -بمعناه الواسع- بمبارك و أسرته و سنه.  بالطبع من المهم و الطبيعي أن ينخرط الاشتراكيين و الاشتراكيات في حركات مطالبة بالديموقراطية و استقلال القضاء و ما شابه لكن من المخيف أن يفقدوا بانخراطهم قدرتهم على تبني مواقف نقدية من الخطاب السائد بين معظم ما يسمى بالمعارضة، و ادراكهم أن أسباب انضمامهم لتلك الحركات تختلف عن الباقين.  ليس من واجب التيار الاشتراكي فقط تبني موقف نقدي من خطابات النظام، لكن من الأهم تبني موقف نقدي من خطاب المعارضة التي تتوقف مطالبها عند تداول السلطة و بعض بعض المطالب الديموقراطية.

يرتكز خطاب المعارضة على نقد النظام – أو بالأصح الردح و التجريس – و يتجاهل تبني الحركات التلقائية التي تبني نماذج للمستقبل و الاستقلال -الذي بصورة تلقائية يمثل تهديد للنظام القائم بصورة جذرية . قد يكون خطاب المعارضة -متضمنة اليسار و الاشتراكيين – المتعلق بالتعامل مع أزمة القطاع العام مثال نموذجي على هذا الاتجاه. “القطاع العام ينهار” ، “الحكومة تتعمد تدمير القطاع العام لخصخصته”  و رغم ذلك يطالبون بحرقة أن تظل الحكومة مسؤولة عن القطاع العام. يبدو الأمر كتبني لمواقف متوقعة أكثر منه موقف مستند على تحليل للواقع و محاولة للوصول لأكثر قدر ممكن من حقوق الأفراد الاقتصادية و الديموقراطية الآن. و أكثر من كل شيء يعبر عن افتقاد مبهر للخيال.

الهوس بمبارك كعدو و هدف للنقد و المعارضة يبدو متعارض تماما مع إدراك الاشتراكيين أن المشكلة ليست بمبارك بل بنظام كامل. فلو تغير مبارك اليوم بآخر لا نتوقع أي تحسن – خاصة في الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية – بل أتخيل أن الأمر سيكون اسوأ. الأسوء هو الاهتمام و السخرية من سن مبارك الذي يفترض بالضرورة تبني للموقف البرجوازي  – مش لاقية كلمة تانية! – التقليدي بأن جزء كبير من الحركات الاجتماعية في العالم هو مجرد اختلاف أجيال و هو الخطاب اللذي كان سائد في الستينيات و السبعينيات و حتى الليبراليين قد توقفوا عن استخدامه بوضوح.  فلو مات/أعتزل مبارك غذا و أتانا بدلا منه رئيس في التلاتينيات و مز ماذا ستغير؟ بالطبع إذا كان مز بقدر كافي قد تصبح متابعة نشرات الأخبار و الجرائد الرسمية أقل ألمًا، لكن بالتأكيد لا شيء أكثر من ذلك.

و كما قالها أخوانا الأرجنتينون “يغوروا كلهم”

Dear Men, Have a Good Sleep

12 October, 2009

Most criminal reporting researches show that among what are agreed upon as “serious crimes”, rape has the least reporting rate*.  And here we’re talking about completed successful rapes, not counting failed attempts. Also it’s well established that rates of reporting a rape by a stranger are much higher than a rape by a family member, a friend, or a sex-partner..

According to the  “Felony arrests: their prosecution and disposition in New York City’s courts” study, conducted by The Vera Institute of Justice, the differences in persecution and conviction, between rapes by a stranger and rape by a person of prior relationship with the victim (also known as acquaintances rape), are enormous. Look at this:

Half of the sexual assaults in the study were committed by men who had prior relationship with the victim; e.g. friend, relative, a date, a boyfriend, or a husband .. In the study, Sixty percent of the cases of rape by a person of a prior relationship with the victim were dismissed. Another 20 percent ended with a guilty plea with only minor punishment. However, all of the strangers rape cases went to trial. Seventy five percent of these cases resulted in conviction and imprisonment, and more than 60 percent of the prison terms exceeded 25 years.

In domestic violence cases researches frequently find that the police takes into account the nature of the relationship between the offender and the victim; the more intimate the relationship the less likely that the police would make an arrest. They are less likely to arrest the abusive husband than the abusive boyfriend, or the abusive sex-partner. **

The U.S  is one of the 105 countries that persecute spousal rape as a rape case. But still, many states still have specific exemptions to spousal sexual abuse, that either make it extremely hard for the victim to prove the crime, or justify some cases of spousal sexual assault, or at least the case end up being a case of battery, assault or marital abuse.

If someone still believes that the angry responses towards rape cases are based on the right of a woman to live safely, I wonder how s/he can explain these statistics.  Law -in most countries- do not consider acquaintances rape a crime as serious as ordinary rape. Anger towards rape, and the laws against it are in core a simple protection of the right of men to sleep knowing that “their women” will not be raped, by another man!

—-

Shit, even aspell wouldn’t recognize “spousal” as a word ;)

*  Most researches in the U.S. and Western Europe estimate rape reporting rates as 1 out of 3 completed rapes. This estimation includes both acquaintances and strangers rape. The estimations are primarily based on large scale household victimization surveys. (update 20 October 2009).

* Walker, Samuel.  Sense and Nonsense About Crime and Drugs: A Policy Guide. Wadsworth

أسلافنا الألطف و الأحن

6 October, 2009

ترجمة لهذا المقال.

أسلافنا الألطف و الأحن

فرانس دي فال*

هل البشر مبرمجين ليكونوا كائنات متنافسة بلا رحمة، أم ليكونوا مساندين لبعضهم البعض؟

في وقت ما عزز سلوك أسلافنا -المعروفين وقتها بكونهم نبانيون مسالمين – من فكرة أن تصرفاتنا لا يمكن ارجاعها لرغبة غريزية في السيطرة. لكن في آواخر السبعينيات عندما أكتشفنا أن الشامبنزي يصطاد و يقتل بعضه بعضًا، أصبحوا رمز صبيانية لأصولنا العنيفة و العدائية.

أستخدمت تعبير “صبيانية” عن قصد لأن النظرية كانت تدور حول ذكور نوعنا بلا أي اهتمام بإناث النوع. اللاتي [المفترض ] أنهن اكتسبن الصفة بعامل الوراثة. كان من الصعب الفرار من فكرة أننا “رئيسيات قاتلة” مصيَرين للحرب إلى الأبد.

بعض الانتقادات لتلك النظرية كانت تكثر ، لكن الانتقادات بلغت ذروتها بسبب تصريحات الأسبوع الماضي عن إكتشاف بقايا لسلف قديم لنا عمره 4.4 مليون عامًا ، يعتقد أنها كانت أكثر رقة مما كنا نعتقد في الماضي. تعتبر تلك البقايا قريبة لآخر سلف مشترك للرئيسيات و للبشر، هذا النمط يسمى أرديبيسكيوس راميدس أو اختصارًا أردي.

شيمبانزي يتصارعون : ذكر شيمبانزي شرقي يظهر أسنانه بحديقة جومبي بتنزانيا.
شيمبانزي يتصارعون : ذكر شيمبانزي شرقي يظهر أسنانه بحديقة جومبي بتنزانيا.

كان لأردي فك اقل بروزًا و أنياب أصغر كثيرا و أثلم من أنياب  الشيمبانزي المفزعة.   أنياب الأخيرة سكاكين قاتلة، قادرة على أن تجرح وجه  و جلد العدو لتؤدي لموت سريع بسبب فقد الدم، أو لموت بطيء بس الالتهابات المتقيحة.

تستخدم الشيمبانزي في البرية أنيابها و فكها كسلاح قاتل في الصراعات على مناطق النفوذ. لكن عدائية الشيمبانزي تفقد بعض أهميتها لو كان أسلافنا ذوي تكوين مختلف. ماذا لو كان الشيمبانزي خوارج في نسب مسالم نسبيًا؟

    بونوبو بيلعبوا : بونوبو يعتنون بنظافة البعض في محمية بالكونغو
بونوبو بيلعبوا : بونوبو يعتنون بنظافة البعض في محمية بالكونغو

فلنفكر في أقربائنا الآخرون : الغوريللا و البونوبو. من المعروف عن الغوريلا أنها عملاق حنون ذو حياة أسرية مترابطة، نادرًا ما يقتل. الأكثر ادهاشًا هم البونوبو، الذيت يتساوون في التشابه الجيني بيننا و بينهم مع الشيمبانزي. لم يُشاهد بونوبو يقضي على فرد من نفس نوعه، لا في البرية ولا في الأسر. تستمتع تلك الرئيسيات – الراقية الأنحف جسدًا – بالحب و السلام لحد يُخجل أي ممن حضروا وودستوك. كان عادة يتم تقديم البونوبو كونهم جانب من شجرة العائلة قد يكون مسلي ، و لكنه ليس ذا أهمية.  لكن ماذا لو كانوا ممثلين لتاريخنا الوراثي أكثر من الشيمبانزي العدائي؟

من ناحية آخرى، فكرة أننا كائنات قاتلة واجهت تحديات أخرى، فعلماء الحفريات يؤكدون أن الحرب لم توجد ما قبل الثورة الزراعية، منذ حوالي 15 ألف سنة. لم يوجد ما يدل على صراعات كبيرة فيما قبل تلك الفترة، فلم يعثر على مقابر جماعية مصاحبة بأسلحة .  فحتى أسوارأريحا (شيركو) التي تعتبر واحدة من أقدم  آثار الحروب – و التي ذٌكر انهيارها في العهد القديم – من المحتمل أنها كانت مجرد أسوار لمنع التدفقات الطينية. حتى أن هناك من يقترح أن قبل تلك الفترة من حوالي 70 ألف عام، أجدانا كانوا على وشك الإنقراض، يعيشون في مجموعت صغيرة متناثرة في العالم، و تعدادنا العالمي كان لا يزيد عن بضعة آلاف. تلك الحالة لا تدعو أبدًا لحرب دائمة.

نظرية الكائنات القاتلة التي كانت في وقت ما ذات شعبية عالية، أصبحت تتهاوى بسبب افتقادها للأدلة ، و ها هي أردي تدق المسمار الأخير في تابوت تلك النظرية. من الناحية الأخرى، تتزايد الأدلة التي تؤيد أننا ذوي نوازع اجتماعية، فالأدلة تتزايد لتؤكد أننا كائنات متعاونة و متعاطفة مع بعضها البعض. بعض تلك الأدلة تأتي من مجال الاقتصاد السلوكي بدراسات تدلل أن الأفراد لا ينساقون طوال الوقت وراء مبدأ الربح. فنحن نهتم بالعدالة و الإنصاف، و في بعض الأحيان نترك مبادئنا تلك تتخطى رغبتنا في كسب أكثر قدر ممكن من المال. في كل مكان في العالم لعب أشخاص لعبة الاختيار المفضل. فيها يطلب من شخص إما أن يقبل أو يرفض تقسيمًا للفوائد أقترحه طرف آخر. حتى هؤلاء الذين لما يسمعوا أبدًا بمدأ التنوير الفرنسي “المساواة” يرفضون التقسيم إذا ما أرتأوه غير عادل.  قد يوافقون على تقسيم يحصل فيه الطرف الآخر على 60% من الفوائد و يحصلون هم على 40%، لكنهم لا يوافقون على تقسيم يعطي 80% للأول و 20% لهم. و بذلك يضحون بمكسب كان من الممكن ان يحصلوا عليه. و هو اختيار لا يمكن أن يصدر عن كائن منطقي. فبالمنطق مكسب صغير يفوق اللا مكسب.

بنفس الشكل، إذا اعطينا قردان مكافئات شديدة الاختلاف لنفس المهمة، فالقرد الذي يحصل على المكافئة الأقل يرفض أن يتعاون. فلو لوحت لقرد بخيارة ، التي عادة تعتبر حافزلأي قرد لينفذ المهمة، في نفس الوقت الذي يستمتع فيه قرد آخر بالعنب، فجأة يصبح الخيار غير كافي كحافز.  فهم يحتجون على الوضع، و في بعض الأحيان يبعدون قطع الخيار بعيدًا عنهم، مما يبين أن القردة يقارنون ما بين ما يحصلوا عليه و ما يحصل الأخرون عليه.

و هناك أيضًا الأدلة على سلوكيات المساعدة، مثل مواساة أعضاء المجموعة التعساء، يواسي الرئيسيات بعضهم بعًَضًا بالأحضان و القبلات. أما الأفيال فتهدهد الصغار مطمئنة لهم عندما يكونوا مستائين، أما الدرافيل فترفع الأفراد المريضة للسطح حتى تتنفس، و تقريبًا كل مالك كلب لديه قصة عن ردود أفعال حيوانتهم المعنية بحالة أصحابهم . بروزفيل بكاليفورنيا قفز كلب أمام صديقه الصبي ذو الستة أعوام ليفتديه عندما هاجم الصبي ثعبان. تسمم الكلب لدرجة أن إنقاذه أستدعى نقل للدم.

تكثر معرفتنا عن التراحم بين الحيوانات، و لم تعد الآن مقتصرة على تلك القصص الشخصية. فهناك دراسات و تجارب تبين أننا لسنا النوع الوحيد المتراحم. في نفس الوقت، اعتدنا على نتائج الدراسات التي تؤكد على قدرة البشر على التعاطف.  مثل دراسات علماء الأعصاب التي تعلن أن بعض مراكز المخ تنير عندما يقوم الشخص بعمل خيري. و نفس مراكز الألم التي تنير عندما نشعر بالألم، تنير عندما نرى أخرين يتألمون. من الواضح أننا مبرمجون لنشعر بمشاعر الآخرين، و هي صفة لما كان التطور سيدعمها لو كان الإستغلال هو كل شيء.

فرانس دي فال هو أستاذ لسلوكيات الرئيسيات بقسم علم النفس بجامعة أمري، و كاتب “عصر التعاطف *”