Posted tagged ‘عنف’

أسلافنا الألطف و الأحن

6 October, 2009

ترجمة لهذا المقال.

أسلافنا الألطف و الأحن

فرانس دي فال*

هل البشر مبرمجين ليكونوا كائنات متنافسة بلا رحمة، أم ليكونوا مساندين لبعضهم البعض؟

في وقت ما عزز سلوك أسلافنا -المعروفين وقتها بكونهم نبانيون مسالمين – من فكرة أن تصرفاتنا لا يمكن ارجاعها لرغبة غريزية في السيطرة. لكن في آواخر السبعينيات عندما أكتشفنا أن الشامبنزي يصطاد و يقتل بعضه بعضًا، أصبحوا رمز صبيانية لأصولنا العنيفة و العدائية.

أستخدمت تعبير “صبيانية” عن قصد لأن النظرية كانت تدور حول ذكور نوعنا بلا أي اهتمام بإناث النوع. اللاتي [المفترض ] أنهن اكتسبن الصفة بعامل الوراثة. كان من الصعب الفرار من فكرة أننا “رئيسيات قاتلة” مصيَرين للحرب إلى الأبد.

بعض الانتقادات لتلك النظرية كانت تكثر ، لكن الانتقادات بلغت ذروتها بسبب تصريحات الأسبوع الماضي عن إكتشاف بقايا لسلف قديم لنا عمره 4.4 مليون عامًا ، يعتقد أنها كانت أكثر رقة مما كنا نعتقد في الماضي. تعتبر تلك البقايا قريبة لآخر سلف مشترك للرئيسيات و للبشر، هذا النمط يسمى أرديبيسكيوس راميدس أو اختصارًا أردي.

شيمبانزي يتصارعون : ذكر شيمبانزي شرقي يظهر أسنانه بحديقة جومبي بتنزانيا.
شيمبانزي يتصارعون : ذكر شيمبانزي شرقي يظهر أسنانه بحديقة جومبي بتنزانيا.

كان لأردي فك اقل بروزًا و أنياب أصغر كثيرا و أثلم من أنياب  الشيمبانزي المفزعة.   أنياب الأخيرة سكاكين قاتلة، قادرة على أن تجرح وجه  و جلد العدو لتؤدي لموت سريع بسبب فقد الدم، أو لموت بطيء بس الالتهابات المتقيحة.

تستخدم الشيمبانزي في البرية أنيابها و فكها كسلاح قاتل في الصراعات على مناطق النفوذ. لكن عدائية الشيمبانزي تفقد بعض أهميتها لو كان أسلافنا ذوي تكوين مختلف. ماذا لو كان الشيمبانزي خوارج في نسب مسالم نسبيًا؟

    بونوبو بيلعبوا : بونوبو يعتنون بنظافة البعض في محمية بالكونغو
بونوبو بيلعبوا : بونوبو يعتنون بنظافة البعض في محمية بالكونغو

فلنفكر في أقربائنا الآخرون : الغوريللا و البونوبو. من المعروف عن الغوريلا أنها عملاق حنون ذو حياة أسرية مترابطة، نادرًا ما يقتل. الأكثر ادهاشًا هم البونوبو، الذيت يتساوون في التشابه الجيني بيننا و بينهم مع الشيمبانزي. لم يُشاهد بونوبو يقضي على فرد من نفس نوعه، لا في البرية ولا في الأسر. تستمتع تلك الرئيسيات – الراقية الأنحف جسدًا – بالحب و السلام لحد يُخجل أي ممن حضروا وودستوك. كان عادة يتم تقديم البونوبو كونهم جانب من شجرة العائلة قد يكون مسلي ، و لكنه ليس ذا أهمية.  لكن ماذا لو كانوا ممثلين لتاريخنا الوراثي أكثر من الشيمبانزي العدائي؟

من ناحية آخرى، فكرة أننا كائنات قاتلة واجهت تحديات أخرى، فعلماء الحفريات يؤكدون أن الحرب لم توجد ما قبل الثورة الزراعية، منذ حوالي 15 ألف سنة. لم يوجد ما يدل على صراعات كبيرة فيما قبل تلك الفترة، فلم يعثر على مقابر جماعية مصاحبة بأسلحة .  فحتى أسوارأريحا (شيركو) التي تعتبر واحدة من أقدم  آثار الحروب – و التي ذٌكر انهيارها في العهد القديم – من المحتمل أنها كانت مجرد أسوار لمنع التدفقات الطينية. حتى أن هناك من يقترح أن قبل تلك الفترة من حوالي 70 ألف عام، أجدانا كانوا على وشك الإنقراض، يعيشون في مجموعت صغيرة متناثرة في العالم، و تعدادنا العالمي كان لا يزيد عن بضعة آلاف. تلك الحالة لا تدعو أبدًا لحرب دائمة.

نظرية الكائنات القاتلة التي كانت في وقت ما ذات شعبية عالية، أصبحت تتهاوى بسبب افتقادها للأدلة ، و ها هي أردي تدق المسمار الأخير في تابوت تلك النظرية. من الناحية الأخرى، تتزايد الأدلة التي تؤيد أننا ذوي نوازع اجتماعية، فالأدلة تتزايد لتؤكد أننا كائنات متعاونة و متعاطفة مع بعضها البعض. بعض تلك الأدلة تأتي من مجال الاقتصاد السلوكي بدراسات تدلل أن الأفراد لا ينساقون طوال الوقت وراء مبدأ الربح. فنحن نهتم بالعدالة و الإنصاف، و في بعض الأحيان نترك مبادئنا تلك تتخطى رغبتنا في كسب أكثر قدر ممكن من المال. في كل مكان في العالم لعب أشخاص لعبة الاختيار المفضل. فيها يطلب من شخص إما أن يقبل أو يرفض تقسيمًا للفوائد أقترحه طرف آخر. حتى هؤلاء الذين لما يسمعوا أبدًا بمدأ التنوير الفرنسي “المساواة” يرفضون التقسيم إذا ما أرتأوه غير عادل.  قد يوافقون على تقسيم يحصل فيه الطرف الآخر على 60% من الفوائد و يحصلون هم على 40%، لكنهم لا يوافقون على تقسيم يعطي 80% للأول و 20% لهم. و بذلك يضحون بمكسب كان من الممكن ان يحصلوا عليه. و هو اختيار لا يمكن أن يصدر عن كائن منطقي. فبالمنطق مكسب صغير يفوق اللا مكسب.

بنفس الشكل، إذا اعطينا قردان مكافئات شديدة الاختلاف لنفس المهمة، فالقرد الذي يحصل على المكافئة الأقل يرفض أن يتعاون. فلو لوحت لقرد بخيارة ، التي عادة تعتبر حافزلأي قرد لينفذ المهمة، في نفس الوقت الذي يستمتع فيه قرد آخر بالعنب، فجأة يصبح الخيار غير كافي كحافز.  فهم يحتجون على الوضع، و في بعض الأحيان يبعدون قطع الخيار بعيدًا عنهم، مما يبين أن القردة يقارنون ما بين ما يحصلوا عليه و ما يحصل الأخرون عليه.

و هناك أيضًا الأدلة على سلوكيات المساعدة، مثل مواساة أعضاء المجموعة التعساء، يواسي الرئيسيات بعضهم بعًَضًا بالأحضان و القبلات. أما الأفيال فتهدهد الصغار مطمئنة لهم عندما يكونوا مستائين، أما الدرافيل فترفع الأفراد المريضة للسطح حتى تتنفس، و تقريبًا كل مالك كلب لديه قصة عن ردود أفعال حيوانتهم المعنية بحالة أصحابهم . بروزفيل بكاليفورنيا قفز كلب أمام صديقه الصبي ذو الستة أعوام ليفتديه عندما هاجم الصبي ثعبان. تسمم الكلب لدرجة أن إنقاذه أستدعى نقل للدم.

تكثر معرفتنا عن التراحم بين الحيوانات، و لم تعد الآن مقتصرة على تلك القصص الشخصية. فهناك دراسات و تجارب تبين أننا لسنا النوع الوحيد المتراحم. في نفس الوقت، اعتدنا على نتائج الدراسات التي تؤكد على قدرة البشر على التعاطف.  مثل دراسات علماء الأعصاب التي تعلن أن بعض مراكز المخ تنير عندما يقوم الشخص بعمل خيري. و نفس مراكز الألم التي تنير عندما نشعر بالألم، تنير عندما نرى أخرين يتألمون. من الواضح أننا مبرمجون لنشعر بمشاعر الآخرين، و هي صفة لما كان التطور سيدعمها لو كان الإستغلال هو كل شيء.

فرانس دي فال هو أستاذ لسلوكيات الرئيسيات بقسم علم النفس بجامعة أمري، و كاتب “عصر التعاطف *”

Advertisements

حلّوا عننا

13 April, 2009

منذ أكثر من شهر صدر الحكم في قضية فاطمة ضحية جريمة اختطاف تحت تهديد السلاح و اغتصاب جماعي في كفر الشيخ.  الحكم كان بالنسبة لي مذهل في القسوة . اعدام لعشرة أشخاص و سجن لخمسة عشر عامًا لقاصر – قام بالجريمة و هو في الخامسة عشر و كان في السابعة عشر وقت الحكم.

فزعت من الخبر و لكنني فزعت أكثر عندما وجدت تعليقاً على أحدى المجموعات البريدية المهتمة بشئون النساء العربيات و خاصة المصريات (كلنا ليلى) تحتفي بالحكم و تعتبره نصراً لقضايا المرأة. علقت تعليق بسيط.  بدأ نقاش عنيف في المجموعة على حكم الاعدام و طبيعة الاغتصاب و مواضيع أخرى. كان أغلب المتناقشين يميلون لتشجيع الحكم و الاحتفاء به  و بضعة منهم -ليست بنسبة قليلة – ترى أنه غير كافي و لابد إما من إذاعة أحكام الإعدام في وسائل الإعلام، أو أن تقام في أماكن عامة (على طريقة طالبان) ، و حتى كان هناك مجموعة من الاقتراحات المبدعة عن كيفية تعذيب الجناة قبل قتلهم . و على الناحية الأخرى كان هناك ما يقرب من خمسة أشخاص إما يعارضون الإعدام بشكل راديكالي، أو ينادون على الأقل بحده لقضايا القتل.

كل هذا مزري جداً، و لكن ما يروعني فعلاً هو أدعاء الجميع بأن الغضب تجاه الاغتصاب -الذي يصل بالناس لطلبات تقطيع أوصال المغتصب أو الاعدام في مكان عام، و في بعض الأحيان إتاحة المُغتصب للاغتصاب من كل مار في الطريق حتى يذوق مما أذاق الضحية- هو لأننا نريد أمان نساء المجتمع. فعلا مستوى استعباط يموت من الضحك.

هذا المجتمع الذي يرى أغلبه إما أن النساء تريد “أنها تتعاكس”، أو أن “الشباب غلبان تعبان من الفيديو كليبات”،  و الذي يعتقد كثيرين منه -نساءً و رجالاً- أن فتاة يراها المتحرش حلوة ، و تلبس ما يحكم سيادته أنه لبس محزق و ملزق تستحق بل و تريد التحرش، (و ربما الاغتصاب ، من مننا لم يسمع عن النظرية المنشرة في العالم كله بأن المغتصب لا يستطيع اغتصاب أمرأة لا تريد أن تُغتصب، نظرية ما يسمونه بالانجليزي الفتلة و خرم الابرة، و بالعربي أثار فيلم الافوكاتو ما في الوعي العام بتشبيه القلم و علبة الحبر(؟)) .

يظهر القاضي ، رئيس الجلسة الذي حكم بحكم الاعدام بالجملة في قضية كفر الشيخ، ليبرر حكمه أمام عدسة التلفزيون بفخر قائلا فقط بأن الضحية كانت: متزوجة، في بيتها، على فراش زوجها، و متزوجة (تاني!) و أم منذ أشهر قليلة بعملية جراحية. لا أرى كيف يرى القاضي المحترم بأن تلك الأسباب تفرق عن أي قضية اغتصاب و خطف تحت تهديد السلاح أخرى.  يبدو أنها إن كانت سيدة لم يسبق لها الزواج أو مطلقة -يا إلهي!- واقفة في شارع الجامعة الدول العربية تشقط  زبون، أو أُختطفت من فراش زبون، و منذ شهرين كانت أجرت عملية الزائدة الدودية، كان ذلك سيغير في حكمه و يقلل من بشاعة الجريمة، و بالتالي لا يستحق هؤلاء الخاطفين و المغتصبين الاعدام بالجملة و الحكم المرعب على حدث. بل و يخرج القاضي منفذ القانون ليبرر لجماهير لماذا لم يُعدم الجاني الذي في السابعة عشر وقت الحكم،  بأن 15 عاما هو أطول حكم ممكن تحت قانون الطفل ” قانون الطفل آه، قال طفل قال!” . جملة كهذه كفيلة بالطعن في الحكم في أي نظام قضائي معقول.
في الحقيقة لا يختلف كثيراً القاضي في مرجعيته الأخلاقية عن الجناة، و إن كانوا هم في وضع أفضل لأننا لم ندفع لهم من ضرائبنا ليقيموا القانون، و على الأقل لم يرفعهم أحدهم للسماء لأنهم أرتأوا أن المرأة المحترمة ال في سرير جوزها تستحق الحماية بينما الأخريات أقل استحقاقاُ لحقهن القانوني و الإنساني في الأمان الجسدي.

أرجوكم، عندما تريدون فش غلكم، و شرب دم أحدهم لا تتعللوا بحرية المرأة و أمانها.  تبعاً لأغلب الإحصائيات أغلب العنف في العالم الذي تتعرض له المرأة عنف منزلي من ذكور أسرتها .  و لكننا لم نسمع أحد هؤلاء الذين يطالبون بفقرة الإعدام التلفزيونية، يطالبون حتى بقوانين تحمي المرأة المصرية من العنف المنزلي. و لأن لسبب لولبي نحن كمجتمع نرى أن الإغتصاب أكثر بشاعة من التعذيب الجسدي و العنف الذي تتعرض له نساء كثيرة في بيوتهن بلا صوت، فلتفكروا في تلك ايضا:  كم مرة سمعنا استهزاءً بأي محاولة لسن قوانين أو التوعية بالاغتصاب الزوجي؟  هؤلاء الذين تحدثوا في برنامج العاشرة مساءً يطاليون بفقرة الاعدام الدورية، لو قلت لهم الاغتصاب الزوجي لضحكوا أو على الأقل لم يفهموا كيف اغتصاب و زوجي؟ هي مش بتاعته؟
هؤلاء الشيوخ الذين يخرجون علينا بآيات ليأكدوا بأن الاعدام العلني شرعي جداً خالص (بل و ألزامي تبعاً لبعض منهم)، و يتناقشون بجدية في هل يجب علينا قطع أيدي و أرجل المًغتصب من خلاف، هم نفسهم الذين يتحدثون عن ملائكة تلعن المرأة التي لا تستجيب لزوجها جنسياً متى أراد، ما دامت بصحة جيدة (هو مش في عقد ما بينهم أشتراها به و بيقول كده؟) . هو لو مش ده الاغتصاب أمال ده اسمه ايه؟  أو يتحدثون عن تقويم الرجل لزوجته (و طبعا الأب و الأخ للأبنة) و أكثرهم انحيازاً للمرأة يتحدث أنه من حق الزوج أن يضرب أمرأته لكن مش ضرب قوي يعني ضرب بالسواك بس كده.

مجتمع يتحرش بالنساء في كل لحظة، يبرر للمتحرشين، يتهم الضحية،  و يقنن و يرفض التدخل في العنف المنزلي، يقر للزوج اجتماعياً باغتصاب زوجته و لا يدينه قانوناً ، قد ينفجر ضاحكاً إن أقامت أمرأة تعمل بالدعارة دعوى ضد من ضربها أو اغتصبها أثناء عملها   (لا تتخيل/ي  كم العنف الذي تتعرض له العاملات بالدعارة) ، و مجتمع أغلبه يقطع من جسد بناته و هن أطفال ليضمن بأنهن لن يستمتعن أبداً بالجنس، تخيل/ي عندما يتدعي هذا المجتمع بأن عطشه للدم دافعه الدفاع عن  أمان الستات. و المفروض أن نصدق هذا الهراء و نفرح بأنه نصر للنساء.  أرجوكم خذوا رغباتكم العنيفة بعيدا عن معانتنا كنساء، كفى استغلالاً.

الأمر ببساطة ليس متعلقاً بأمان المرأة و حريتها و سيطرتها على جسدها – فهذا أكثر ما يقلق مجتمعنا – لكن متعلق بمن له الحق في قهر و السيطرة على هذا الجسد: الزوج ، الأب، أي ذكر من درجة قرابة حتى التالتة ، ولا أي مار بالشارع  يرغب في قهر هذا الجسد لقليل من الوقت. من الآخر خناقة بين الداعين للملكية الشخصية للنساء، و الآخرين الذين يتخطون على ملكيات ذكور آخرين فيجب عقابهم بقسوة لأنهم دخلوا داخل حدود حريم رجل آخر. الموضوع خناقة رجالة في بعض، ليس للنساء ولا رأيهن ولا أجسادهن قيمة فيها.   و حتى الإغتصاب كثيراً ما يمارس كعقاب للذكر الذي يملك صك ملكية الأنثى المُغتصَبة (مرة بروقان أبقى احكي عن الموضوع ده)  . المرأة لا قيمة لها و لا صوت، مثلها مثل سيارة يتم عقاب من سرقها أو استخدمها دون حق ملكية.

حلوا عن أجسادنا، لا تمتلكونا، و لا نطلب منكم أن تحمونا، فقط تخيلونا مثلا مثلا كبني آدمين أحرار لسنا تبع حريم أحدهم.