Posted tagged ‘ناس’

إلى جوزيف و ريتًا نسيم

3 September, 2009

“تحت  خرافة الوطن المقدس و أرض الآباء و الأجداد، غررت الصهيونية التي ليست إلا حياة للعشرات تغريرا بملايين العمال و الفلاحين من اليهود، و بهذه النداءات المعسولة صورت الصهيونية المضرة بالجماهير أن اليهود سيضطهدون دائما أبدا و لن تنقذهم أرض الميدان كما يدعون، و ليس هذا التضليل إلا تفنيذ لخطة الاستعمار المدبرة، ها نحن اليهود المثقفون و قد أدركنا لعبته و تبينا خطره و خطر الصهيونية ، لن نسمح أن تفرق صفوفنا نحن المصريين ، و لنكن يدًا واحدة نحن المسلمين و المسيحيين و اليهود ، يدًا قوية تدك صرح الاستعمار و تزلزل أركانه، و لن تبعدنا إدعاءات الصهيونية العاطفية عن الكفاح مع المناضلين العرب للتحرر من الاستعمار و ذنبه الصهيونية حتى تسقط الصهيونية و تحيا فلسطين حرة ، و ها نحن الطلبة اليهود المصريين ننزل إلى الميدان مع زملائنا العمال و الطلبة لنلعن احتجاجنا و سخطنا على الاستعمار و الصهيونية.

عاشت مصر حرة

و عاشت فلسطين حرة. “

نُشر هذا البيان في عدة صحف مصرية منها جريدة المصري  بتاريخ 9 مايو 1946

موقع من عدد من الطلبة المصريون اليهود،  النشطاء في حركة العمال و الطلبة منهم :

فرج نسيم – كلية الطب

ليون كرامر – كلية الآداب

روبير شاؤول يوسف – كلية الهندسة.

بورجا

25 August, 2009

أحيان كثيرة أشعر بأنني آخر من عاصر الأسكندرية كمدينة متعددة و محتلفة الهويات. لا أنظر للأمر بشكل رومانسي أبدا، لا أتخليها تلك المدينة المختلطة المتسامحة التي يتغنى بها كثيرون. فقط أعرفها بواقعها، نعم كانت مقسمة طبقيا و عرقيا – أكره تلك الكلمة البلهاء- و دينيا، لكن على مستوى آخر و ضمن مجموعات محددة من السكان كان الاختلاط و التسامح حقيقين . عاصرت مدرسين و مدرسات أرمن و يونانيين و إيطاليين و فرنسيين أقاموا منذ أجيال و توطنوها، عاصرت بائعي بقالات أرمن في غاية الفقر، عرفت مسيحيين مصريين من طائفة لم يبيحوا لي بها أبدا و اعتقد أنا انهم أمش ويعتقدصديقي أنهم بلامسة أبا عن جد لا يحلقون شعورهم ولا يستخدمون التكنولجيا إلا باضطرار و يعيشون بتكافل اجتماعي مذهل، و مدرس فرنسية يهودي كردي!
كان مكان سكني، و مدرستي، و مجتماعاتي المغلقة ربما أكثر تعدداً من المعتاد، لكني أيضا التقيت تعدد مبهر بالصدفة خارج تلك النطاقات.

تاريخياً كان شارعي مسكن لمصريين، و يونايين، و ايطاليين و أقليات أخرى أغلبهم من الطبقة الوسطى، بالوقت طبعا فقد تلك الأقليات، و لكن ظل أكثر تعددية من خارجه. و حتى الآن يُعرف بنسبة سكانه المسيحيين العالية بالمقارنة بالمناطق المحيطة.

كانت تعرف هي في الشارع باسم “المدام” بألف و لام التعريف، و زوجها ب”البشمهندس” أيضاً بألف ولام التعريف. لكن فعليا ما كانت تعرف به هو بأنها لاسعة. لم أكن أعرف الكثير عنها باستثناء أن بحديقتها أجمل شجرة ياسمين هندي تعطي أغلب الشارع رائحته المميزة. و بأنها عندما كانت تبعثني امي لها – مثلما تفعل مع كبار السن في الشارع ممن يعيشون وحدهم – في صباح عيد الفطر بطبق من الكعك و الغريبة،  نتبادل تحيات صغيرة، و تعزمني بالداخل و أرفض بأدب، فتطلب مني الانتظار و ترجع لي بزرعة ورد بلدي من حديقتها منقولة خصيصا لي في أناء فخاري مبررة بأنهم “أرواح و لازم نسيبها تعيش”.

لم تتوطد علاقتنا إلا عندما أنقذتني مرة. كنت في الحادية عشر مثلاً، و أمشي في الشارع ليلاً بعد شرائي لطلبات للمنزل، و كان يتبعني منذ مدة رجل.  و بالطبع كما كانوا يعلموننا كنت عاملة نفسي مش واخدة بالي و أنا مرتعبة مما سيكون. كنت انتظر أن نمر على محل مفتوح أو مجموعة من الناس حتى يخاف و يبعد، ولكنني أيضاً كنت مرعوبة من هذا، لأنه يضر صورتي كشخصية مستقلة كبيرة في المنطقة قادرة على الدفاع عن نفسها ، كنت طفلة ضايعة.  مررنا أمام حديقتها و كنت أراها من فوق السور على السلم الخشبي المتحرك تفعل شيء بإحدى أشجارها كالعادة. نهرته فرد عليها ، فردت عليه، و أنا مخضوضة.  و أنتهى الأمر بشبشبها ذو الكعب الصغير يطير ليكاد يصيبه و هو يجري و هو يلعنها. وقفت تضحك، و أنا ايضا و فتحت الباب تسترد شبشبها و تسألني إن كنت بخير. تبادلنا الحديث و رجع زوجها من العمل في نفس الوقت فدعتني للداخل، و للغرابة وافقت ببساطة.

من يومها أصبحنا أصدقاء أنا و بورجا. كل عدة أسابيع نتلاقي فتدعوني للدخول فادخل و نتحدث قليلا، تذيقني كيكة قهوة تصنعها، أو تطلب مني أن أريها على البيانو ما أعرفه، أو أي شيء، المهم أننا نتعارف أو كما سيقولها سانت أكزوبيري أن نستأنس بعضنا البعض.
في حجرة البيانو كان الحائط شبه مغطى بمكتبة للاسطوانات و عدد من الصور في بروايز خشبية بنية بسيطة. وجوه ناس في ما يبدو أنه رحلة لجوء و عطش و جوع ، لأشخاص بعيون سوادء و شعر أسود و كل حين عيون عسلية. سألتها مرة “أنت فلسطينية؟” فضحكت و ردت لا أرمنية. فوضحت أنني فقط سألت لأنها تلبس قفاطين مطرزة تشبه تلك التي تلبسها الفلسطينيات التقليديات و لصور اللجوء على حائطها. فاجلستني و أتت بالبومات كبيرة من الصورة و قصصات الصحف. لم أكن أعرف أي شيء في حينها عن مذابح الأرمن. قضيت الساعات التالية مزبهلة أمام صور المرحلين، و بقايا المذابح ،و قصاصات الصحف بلغات كثيرة. رجعت بيتنا و سألت أمي عن اقتراحها لكتاب عن مذابح الأرمن، فاقترحت علي كتاب عن تاريخ السطان عبد الحميد الثاني، و وجدت في مكتبة البلدية كتاب لشهادات شخصية لبعض الناجين. و تعرفت على قصة تلك القاصات و الصور.  تركتني بورجا و أنا إلى اليوم تختلط في ذهني صور لاجئي 48 الفلسطينيين و ما قبلها، بصور النازحين الأرمن بعد الحرب العالمية الأولى. مازلت لا أستطيع أن أرى واحدة دون أن أرى الأخرى رغم فهمي بالوقت للاختلاف الشديد بين الظروف التاريخية.

سأجلس بعدها بسنين طويلة أخبيء دموعي عنه في قاعة سينما لا أحد بها غيرنا، و نحن نشاهد فيلم أسباني – لا أذكر إسمه-  خطه الأساسي عن مذابج الأرمن و رحلة النفي إلى عكا ، حتى لا أبدو عبيطة أبكي على فيلم، لم أستطع محو الصور من خيالي و ارتباطها برائحة غرفة البيانو الخشبية و الياسمين الهندي و لم أستطع التفريق بين بيانو بروجا و بيانو الأسرة الأساسية في الفيلم.

كانت مدرسة بيانو حرة، و رسامة في الخامسة و الستين عندما عرفتها، مبهرة في كل شيء، تشبه أمي في هوسها بالنظام و السيطرة. دائما في جلباب مطرز تفاصيله شديدة الجمال، و شبشب بكعب صغير ، و شعر أسود مرفوع في شينوين منخفض، و خصلات صغيرة سوداء بتلقائية على وجهها، و أحمر شفاه و طلاء أظافر لليدين و القدمين شديدي الحمرة.
لابد أن أعترف أنها عندما كانت تجلس في الشمس في حديقتها، و تحكي أو تسمع الموسيقى و أنا أجلس معها كنت أُغوى تماما. صلابتها، طولها، قامتها المشدودة ، صدرها الصغير،  طريقة نطقها البطيئة، أناقتها المتفردة، عنادها، ذكائها،  كلها كانت تثيرني بشدة في مراهقتي بعد صداقتنا بأعوم.

عندما انتهيت من دراستي الثانوية  انتقلت لسكن وحدي بعيداً عن أهلي، انشغلت في أنشطتي و عملي و بعض الدراسة، لكنني كنت أذهب لأزورها في ميعادنا الأسبوعي، دائما صباح الأحد الساعة التاسعة صباحا. أأتي أنا بالجرائد و مجموعة من المجلات، و أدخل لأجدها دائما تنتهي من اعداد إفطار عظيم، و زوجها ينقل شلت الكراسي للخارج حتى نفطر في الحديقة و إن كنا صيفا ينقل الشمسية الثقيلة – نفس نوعية شماسي البحر التقليدية لكنها مطبوعة بزخارف نباتية أغلب الظن من عمل بورجا.  نفطر ثلاثتنا في الحديقة، و يخرج زوجها للقاء أصدقاءه في النادي اليوناني، و نظل نحن في المنزل.   كنا نتحدث في كل شيء و أي شيء لكن بطابع من الالتزام الذي يسيطر على الحوار.  بعدما ساءت صحتها، أصبحت فترة ما بعد الافطار هي الفترة التي اتلكك بها لأساعدها في أعمال المنزل، الذي ترفض أن تدفع لأحد ليقوم بها نيابة عنها، لأنها تُحرج من أن ترى أحد يعمل و هي جالسة. نقوم بأعمال نظافة و نحن نتحدث و نغني لأديث بياف عادة.

بعد عامي الثاني في الجامعة، قضيت الصيف في مهمات عمل و ترفيه خارج مصر، و رجعت لأحدها في حالة سيئة جدا.  كانت مريضة بمرض شديد رفض كلاهما التحدث معي عنه لأنهما يعاملاه كأنه لم يوجد.  ذهبت لبيتها لأول مرة منذ مدة لأجدها في روب منزلي نائمة في سريرها، و تبقدو أقصر قامة و أصغر حجما. تحدثنا و هي تحاول أن تبدو قوية و مرحة، و أنا أحاول ألا أظهر قلبي المحطم.  كانت تعطيني شيئا عندا لاحظت طلاء أظافرها المقشر فاعتذرت بخجل بأنها لم تستطع الذهاب للكوافير منذ مدة.  كنت أعلم ماذا يعني لها هذا الكمال في المظهر، فأردت أن أعطيه لها.  بصفتي شديدة الجهل بكل ما يخص التزيين و تلك التفاصيل، هاتفت أختي أسألها  إذا كان من الممكن أن تأتينا بأحد ليقوم بتلك المهمة. بعد ساعة كانت أختى و معها أمرأة ،تعمل بالكوافير الذي تتعامل معه أختي و بورجا، موجودتان.  عندما علمت بأنهما في الطريق. حاولت الوقوف من سريرها قائلة جملتها الشهيرة “في ضيوف جايين “. غيرت قفطانها بقفطان مغربي بأكمام كبيرة، و جلست أمام المرآة تصفف شعرها و تضع أحمر الشفاه و الكحل بتركيز. و أنا اجتاحني نفس الانبهار الذي كنت أشعره  أمامها و أنا طفلة.

جلسنا في الخارج هي بأقدام ممدودة و أمرأة التزيين تعمل عليها . بدت في آخر الجلسة برونقها و فخرها الذي لا ينكسر الذي اعتدته.

بعدها بأشهر قليلة، كانت تعاني فيها صحيا، سأكون قد غادرت مصر لأقيم في بلد آخر. كنت أبعث لها بكروت تذكارية من الأماكن التي أزورها – كما هي عادتي- و هي راسلتني مرتين و أهدتني كتاب لعيد ميلادي.

كنت قد اشتريت لها عبوة من عطر شانيل نمرة 5 -عطرها و عطرأكثر من أحب من النساء المفضل – عندما تلقيت تليفون من أمي لتبلغني بأن بورجا ماتت. لم أشعر بالحزن، لكنني فقد وددت لو كنت هناك في الأشهر الماضية. حادثت زوجها و بدا محطماً، و غاضباً على أولاده الذين يصرون على أن ينتقل ليقيم معهم في كندا.  بكى و ظللت أنا صامتة.  لم أعرفه جيداً هو أبداً.  بعدها بيومين حادثتني امي ثانية لتحكي لي عن العزاء و حفنة الأشخاص الذين حضروه. و فاجأتني بأنها عرفت أن بورجا ليس اسمها الأول، و لكنه اسم أسرة زوجها، و لم تستطع تذكر الاسم الذي قرأته على الاعلان في مدخل الكنيسة.

عندما زرت شارعي و شارعها في الصيف، دخلته ليلا من الجهة المقابلة لأرجع لبيت اهلي الذي لا يسكنه أحد. و أول شيء فعلته في الصباح هو أنني نزلت لأمر على بيتها. كان السور الذي اعتدته ملون باللون الطوبي الفاتح، ملون الآن بلون أبيض يلمع و ارتفاع السور ضعف ما أعتدت عليه. و من الواضح أن عدة أشجار قد كسرت ليعلى السور بهذا الشكل، و توضع قطع الزجاج المكسرة على أعلاه.  فزعت من اليافطة المعلقة على الباب الجانبي – فهم قد بنوا حائط مكان الباب الرئيسي – الحزب الوطني الديموقراطي – دائرة ….- قسم …..
و معلق على الحائط عدة اعلانات عن دروس تقوية تقدم بداخل مقر الحزب، و اعلان عن اجتماع للسيد راشد – مرشح الحزب عن المنطقة – مع أهالي الحي لسماع شكواهم. استغربت جدا الدعوة.

عندما سألت بائع المخللات بجانب بيتها – الذي كان يكرهها لأنها تطعم قطط المنطقة كل يوم في المغرب فتعتاد القطط على المكان و يدورون  حول أوعية المخلل البلاستيكية الزرقاء و يدخلوا بداخل الأوعية في بعض الأحيان – عما حدث. قال لي أن زوجها سافر و بالتالي أصبح المنزل غير مؤجر، و بشكل لولبي ما آل للحزب الوطني.  و أبدى سعادته لأن لا أحد يطعم القطط الآن، و الطلبة بعد حصص التقوية يخرجون ليبتاعوا مخلل مع سندويتشاتهم.

كانت شجرة الياسمن مازالت مزهرة رغم أنها فقدت عدة أفرع في عملية تعلية السور، و ثمار الجريب فروت متعفنة على الأرض، فالجريب فروت لا يروق لمزاج أغلب المصريين في مزازته، و ليس لدي شك أن الحزب الوطني لا يحييك بكوب من العصير، أو يصنع مربى الجريب فروت في برطمانات زجاجية بغطاء من الدانتيل كما كانت هي تفعل.

كان على الأرض بجانب الباب بقايا ما يبدو أنه قطعة من القماش تستخدم لمسح الأرجل قبل الدخول، في يوم ما كانت تلك القطعة أحدى مفارش بورجا للسفرة المطرزة بزخارف عربية.

في آخر يوم لي في مدينتي، كان الشارع مقفل بشادر يتحدث به السيد راشد ، كانت تلك “الشكاوي” التي استمع لها الحزب الوطني هي أن أحدة اصحاب المقالى -التي تبيع اللب و السوداني و تلك الأشياء- يريد شراء مخزن يتشارك مع الجامع في حائط.
و لأن صاحب المقلى مسيحي، و يتشارك من الناحية الآخرى مع الكنيسة الأرثودوكسية بالمنطقة بحائط – التي تمتلك غالبا رخصة للاصلاحات لأنها مرت باصلاحات كبيرة قبلها بعامين، فقد تفتأ ذهن سكان المنطقة الكرام أنها من الممكن أن تكون لعبة ، و يكون سيشتري هذا المخزن ليلحقه بالكنيسة، و عندها يتشارك الجامع و الكنيسة في حائط . و هو أمر لو تعلمون عظيم.

عندما مررت بشارعي بعدها بعامين معه و أنا احكي له بحماسة عن تفاصيل شارعي و طفلوتي، مررت من أمام بيتها، و تجاهلت أن احكي له عنها.  فقط حاولت منذ مدة أن أضع طلاء أظافر لأول مرة، و أنا أصلاً عادة أشمئز من الأظافر الملونة. أخترته شديد الحمرة مثلها. و عند إنتهائي من العملية المعقدة ،نظرت إلى نفسي فلم أجد إلا طفلة في الخامسة باصابع ملطخة بطلاء أظافر.

هو و هيليبوليس

12 May, 2009

كانت القاهرة تعني عندي وسط البلد و مصر الجديدة.  كانت وسط البلد مرادف لآيس كريم سيء من جروبي، أو طبق ضخم من السلطة اليونانية في النادي اليوناني إن كنا ليلًا.  لكن ما كانت وسط البلد تعنيه فعلا هو الكتب، فبعد معرض الكتاب كانت مكتبة مدبولي هي جنة الكتب. أعرف ميزانيتي و أضيف إليها ما جمعت من فترة و أنطلق في المكتبة – نعم كانت تبدو كمكان كافي للإنطلاق حينها.  بعد كثير من الوقت أجتمع أنا و أمي كل منا بكومة كتبه و نبدأ في التفاوض معًا على ما سيبقى و ما سيرد.  كانت تلك هي اللحظات الوحيدة التي تجعلني أنظر بانبهار للقاهرة.  غير ذلك في هي مكان مزعج  حار مترب مزدحم غير متناسق معماريا و لسبب أو لآخر لا أحب ناسه.  سكندرية تقليدية جدا.

بقية الرحلة عادة تكون أيامًا في مصر الجديدة، أولًا كنت أعرفها تحت اسم هليوبوليس، و لسبب ما لم أربط بينها و بين مصر الجديدة التي كنت أقرأ عن تاريخ بناءها . على أي حال لم أكن معجبة.  كانت الرحلة لعمارتين جميلتين يعيش فيهما أهل عائلتي الممتدة.  و الرحلة لشارع بممرات مسقفة تشبه تلك التي أعتدت عليها بأسوان و جنوب ايطاليا و أرضيات حجرية ببعض الأرصفة كتلك التي أحبها بمدينتي، و مباني لطيفة و إن كنت بالطبع أراها لا ترقى لمباني مدينتي.  حتى النادي كنت أراه لا ستيطيع منافسة “نادينا”.

أخذني معه مؤخرا لحيث أمضى بعض من طفولته و مراهقته. مشينا الشوراع و وقفنا أمام بيت طفولته الذي تحول لدار أيتام إسلامي كما يبدو،  و بدأت خطوات تدميره الدؤوبة. من حكاياته  فجأة أصبح للمبانى حكايات ارتبط فيها التاريخ الرسمي بالتاريخ الشخصي.
أصبح لدي مدخل على المكان .
أصبح هناك حواديت للأماكن، و أشخاص يسكنون البيوت.  أصبح لإختلاف الطرز معنى، و لوجود كنيسة إنجليكية في غير وسط المدينة تفسيرغير تاريخي ، ببساطة وجدت ليلعب بفناءها. أصبح هذا بائع لعب الأطفال الذي أتخيله يختار فيه بتركيز شديد لعبة واحدة فقط!  أصبح للأمفتريون معنى غير خال والدتي و رائحة تبغه المميزة المخلوطة بالبيرة و مللي في المكان طفلة، أصبح يعني ذكريات طفولته و تجريبه للبيرة لأول مرة، أصبح لشارع الكوربة الذي أكره أحتفاء الناس به تأثيرًا محتملًا، و أستطعت أن أتجاهل بعض الشي الطابع الزاعق لتراكم التمييز الطبقي به.  أصبح هذا البيسترو الذي أظن أنني زرته كثيرًا كطفلة أثر آخر. أصبح مكان أول يوم لنا معًا يبدأ بقبلة صباح على الشفاه.  بعدها ستبدو تلك الشوارع كأقرب ما يكون للمجتمع الذي عشت فيه طفولتي. سيتشابه المطعم الصغير مع شى جابي و أيام طفولتي، سيصبح الامفتريون إيليت آخر يشرب فيه الكبار البيرة بينما أنا أغرق في نجرسكو الجبن المهول الممتع و ربماقليلًا جدًا من النبيذ.

لكن بالظبع سيظل ترامنا أفضل من ترامهم، الذي حاولت كثيرا طفلة إقناع أطفال العائلة القاهريين أنه ترام واي -كما كنت انطقها حينها- و ليس مترو “المتر ده تحت الأرض!!”.

صحيت انهاردة من حلم كنا أنت و أنا فيه.  أنا كنت قاعدة على سلالم بيت طفولتك في هليوبوليس. كان عندي ستة و تلاتين سنة – أول العمر المثالي للمرأة زي ما أنت أكيد عارف :).  لابسة فستان أواخر الستينات/ أوئل السبعينات شبهي خالص- أيوة مش هاسمح للدقة التاريخية تلبسني فستان بشع من أوائل التمانينات حتى لو في الحلم!  شعري كان قصير على طريقة الولاد، زي ما كان أغلب مراهقتي، و كنت حافية .  كنت قاعدة على الدرجة التالتة من السلم مثلًا، و رجلي على الأرض و طبعًا رجل على رجل.  و جنبي على السلم كوباية حمرا مزخرفة فخار فيها مريمية، و مكتوب عليها ال كنت عارفة انه بيت من واحدة من قصايدي المفضلة لأمل دنقل بخط ثُلث جميل “دائمًا أنت في المنتصف”.   أنت كنت بتلعب قدامي. عندك عشر سنين مثلًا و لابس تي شيرت أحمر و شورت كاكي قصير و جزمة كونفرس بيضا. غالبًا ماكنتش ابني، غالبا كنت صديق صغير.  كنا قاعدين و في موسيقى جاية من الدور ال تحت لفرنسواز هاردي – غالبا علشان تليق على اللبس :) – قاعدين ندندن مع الأغنية، و أنت بتلعب، و أنا مبلمة في اللا شيء  و مستمتعة بالجو – كنا في الشتا يوم حد أكيد .  كنت أنت قاعد تلعب و تتنطط من غير دوشة، و كل شوية تستهبل و تحاول تبص على تحت الفستان بتاعي بأنك توطي كأنك بتكتب حاجة بالطباشير على الارض.  و أنا طبعًا واخدة بالي و مطنشة و سايباك تلعب و تكتشف. ال فاكراه بعد كده أنك بتعوز تنام فباخدك فوق سلالم طويلة خشب حلوة و بتزيق لدور مافيهوش غير حمام  بس.  بأحميك، و ألبسك هدوم،  و نروح نقعد على أكبر درجة من السلم في ايدينا كوبايات شوكولا سخن و تحت غطا أحمر حلو-نفس الغطا ال أكتشفنا من مدة أننا بنتكلفت تحتيه هو نفسه كل واحد  في بلده البعيدة (ده طبعًا طرح العولمة البديلة و أيكيا في الحلم). و نقعد نقرا من كتاب ألف ليلة و ليلة بتاعي و أنا صغيرة.